الرئيسية / سياسة / وقفة ما قبل انعقاد الأستانة

وقفة ما قبل انعقاد الأستانة

اليوم ستبدأ أعمال مؤتمر الأستانة هذا المؤتمر الذي كان مثار جدل وتجاذبات سواء من حيث المبدأ أو التطلعات في ظل أزمة ثقة عامة نعيشها جميعاً .. ولهذا فقبل الحديث عن المؤتمر لا بدّ من قراءة سريعة للمشهد برمته رغم تعقيداته وتشابكاته ؛ و لا بدّ من محاولة قراءة بخصوص الدولتين الراعيتين للمؤتمر بالإضافة للوضع الإقليمي والدولي كون الكل معني وضالع فيما يجري بسورية بشكل أو آخر.
روسيا تدرك جيداً أنها تورطت في سورية لدرجة لا يمكنها التراجع ويؤذيها الإستمرار بنفس الوقت ، فقد سقطت أخلاقياً و تعرضت لضغط عالميّ ناتج عن جرائم الحرب التي ارتكبتها وخصوصاً في حلب ناهيك عن الوضع الإقتصادي المتردي وشعورها بالخيبة نتيجة استثمار حلفائها لمجهودها العسكري وتجييره لصالحهم ، و لهذا فقد سعت بكل جهدها لعقد هدنة المنتصر و من ثم الدخول في عملية سياسية تحقق من خلالها ما عجزت بشكل فعلي عن تحقيقه عسكرياً و تسعى لفرض هيمنتها على الأطراف السورية من خلال شرعنة وجودها في سورية المستقبل و لتضمن قوننة العقود التي وقعتها مع نظام الأسد.
تركيا و بعد أن تبنّت الثورة السورية مبكراً وتماشت معها بكل مراحلها و التي انعكست بشكل مباشر عليها سواء على صعيد الداخل و ارتداداته المرعبة بشقّيها الأمني والإقتصادي و الذي قد يهدد بأزمة سياسية إن بقي الحال عليه و بعد أن فقدت الثقة بحوامل الثورة السياسية و العسكرية ( بغض النظر عن مسؤوليتها في هذا التردي و الذي ليس هو محور حديثنا الأن) و خصوصاً بعد سقوط حلب فقد أدركت ضرورة انعقاد الأستانة و لكن ما يهمها منه هو الحضور فقط و الظهور بمظهر الضامن المؤثر؛ وهنا يتضح سبب ضغطها على الفصائل للمشاركة؛ كما تسعى في نفس الوقت لإضعاف إيران إقليمياً و توسيع الشرخ بينها و بين روسيا ؛ولكنها في نفس الوقت غير متمسّكة بالعلاقة مع روسيا بقدر تمسّك الأخيرة .
أميركا لا أعتقد بأنها ستلعب دوراً رئيسياً في الثلاث أشهر القادمة ؛ فالحال يروق لها كما هو عليه فالجميع متورط ويُستنزف كما أنّ البيت الأبيض بحاجة لترتيب أوراقه وهي تدرك جيداً بأنها ستكون الحاضر الفاعل عند الجلوس على طاولة الحسم الحقيقي.
إيران هي أكثر المتأزمين والمحاصرين في هذه المرحلة فهي تدرك جيداً أنها في أحسن حالاتها ستخسر الكثير من قدرتها على التأثير في سورية لا سيما في ظل إدارة أميركية جديدة لا تنظر إليها بعين الرضا.
الدور العربي الغائب بشكل شبه كلي عن المشهد حيث أن السعودية في حالة محاولة لإستيعاب المشهد ومواكبته ومحاولة استدراك إهمالها للمسألة السورية وتركيزها على اليمن بالإضافة لابتعادها عن المسار التركي الذي جعلها تتراجع عن الصدارة وخصوصاً بعد حالة الجفاء التي حصلت مع مصر وعلى الضفة الأخرى نلحظ تراجعاً للدور القطري ؛ هذه الحال لا أعتقد أنها ستدوم طويلاً و أرجّح بأنهم سيلعبون دوراً مستقبلياً بعد حالة التحول التي يمرون بها الآن.
أوربا الآن تعيش عدة مخاضات ابتداء من صعود اليمين المتطرف إلى السلطة و بداية التفكك كإتحاد أوربي بالإضافة للتقارب الروسي التركي الذي يؤرقهم وسعي أميركا الدؤوب لشلّ حركتهم وإضعافهم؛ فنجد كل الأطراف المتصارعة وكأنها متّفقة على استبعاد أي دور لأوربا في سورية رغم سعي الأخيرة وخصوصاً المحور الفرنسي الألماني لمواكبة الحالة السورية ومحاولة الفعل فيها.
الثورة وواقعها المزري و الذي باتت فيه بشقيها العسكري والسياسي خارج إطار الفعل وحتى الحضور ، فها هي الفصائل تذهب إلى الأستانة دون أي مرجعية ثورية ،فقط مرجعيتها ضمانات الحليفة التركية ؛ و هنا أنا لا أخون من ذهب فهم واقعون بين مطرقة الهزيمة والشرذمة و سندان الشعب الذي عانى ما عانى و أزمة الإيديولوجيات التي انطلقت منها هذه الفصائل كقيمة ثابتة ؛ اضطرت أن تلبسها الآن لبوس سياسة غير مقبولة عند مقاتليها ؛ بالإضافة لضغط تنظيم القاعدة الذي بات متغولاً ؛ ويستثمر هذا الحال ليصدر نفسه من متسبب في الهزيمة إلى منتصر (أقله أخلاقياً) .
أما الحال السياسي و هو الأسوأ فيخشى من تمييع المعارضة رغم هشاشتها وتطعيمها بمنصّتي موسكو و القاهرة و معارضة حميميم وهيئة التنسيق وخلق منصّة جامعة جديدة وحينها بإمكاننا القول بأن النظام يتحاور مع نفسه.
المتوقع من مؤتمر الأستانة:
أولاً: لن يكون أكثر من حالة كرنفالية لتثبيت اتفاق وقف إطلاق النار و إظهار روسيا القوية المنتشية بقدرتها على الحسم في الميدانين العسكري والسياسي .
ثانياً: ستحاول روسيا نسف مرجعية جنيف ولكنها لن تنجح في ذلك ولن تحقق أكثر من تفاهمات بخطوط عريضة للبناء عليها لاحقاً.
ثالثاً: سيكون الأستانة اختباراً حقيقياً لقدرة كل ضامن باحتواء حلفائه و أعتقد أن إيران و شخص الجعفري سيكونان عامل إحراج للروس مما سيؤدي لكشف إيران كعامل أزمة وجعل إضعافها وتحجيمها في سورية أسرع من المأمول.
رابعاً: ستنعكس الأستانة بصراعات على الداخل السوري بضفتيه .
خامساً: لن ينجح الروس في تشكيل أي مجلس عسكري مشترك وكل ما سيتم تحقيقه مجموعة توصيات وتصورات.
سادساً: ستدرك كل من روسيا و تركيا ضرورة دعوة أطراف إقليمية أخرى للمشاركة في جولات لاحقة لن تكون بعيدة زمنياً.
ما يهمنا كثورة هو ماذا نستطيع أن نفعل وسط هذا التزاحم والعجز حيث أن الجميع متحرك ونحن في حالة كمون ربما يكون الأكثر جدوى في هذه المرحلة إعادة الحراك الثوري المدني وتفعيل المظاهرات كحالة راسخة تفرض نفسها على الجميع.
……
كتبها : يسار باريش

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *