الرئيسية / أدبيات / نزار قبّاني في معبر ( باب الهوا )

نزار قبّاني في معبر ( باب الهوا )


441

نزل عند الحاجز صفر و جرّ حقيبتَه وراءه 
و ليس بينه و بين شروده إذنٌ بالدّخول ، فسرعان ما يغيب نزار في تلافيف ألمه
و أسرعُ من غيابه شِعرُه الذي ينبعثُ عند أوّل غصّة …
( تعبتْ من السّفرِ الطّويلِ حقائبي …. و تعبتُ من خيلي و مِن غزواتي )
كلُّ الحيـــــــاةِ معـــــــــابرٌ مرصودةٌ …. و القصفُ أهونُ هذهِ الميتـــــاتِ
مَن لم يمتْ بالقصفِ مـــاتَ بطلْقةٍ ….. عندَ الشّريطِ و لم يلُذْ بحيـــــاةِ
و فجأةً يقاطعُ كلماته مهرّبٌ : هل جوازُ سفركَ ساري المفعول ؟ أهرّبك بألف دولار فقط
ردّ نزار :
حتّى جوازي ليس لي أنا زائدٌ ….. لا شيءَ كالمنفى يلمُّ شَتاتي
هم جرّدوني من جوازِ عروبتي …. و اليومَ أنتَ تريدُ ( دولاراتي )
إذهب فأولادُ الحلالِ استَوحشوا … هذا المكانَ فظلّ للحَيّــاتِ
و يلتفت نزار فيرى قوافلَ الخير و التجارةِ عن اليمين و عن الشّمال ، و يرى غرفةَ الجمارك و قد غصّت بالفواتير و الجيوب فقال :
أينَ هذا المالُ يذهبْ …. يا حواليشَ الجماركْ ؟
اقعُدوا للمــالِ فالأبـ …. طالُ في سُوحِ المعاركْ
و لكم كان نزارُ يتألّم عندما يسمع صوت طلقة القنّاص ، فيعلم أنّ وراءها قتيلاً عند الشّريط أو جريحاً كان يحاولُ الهروب بنفسه و عياله :
أمسِكْ رصاصَكَ لا تُعاقِرْ ظُلْما …. و اكفُفْ يداً يا عنصرَ الجندرْما
هذا بريءٌ جـــــاهلٌ أغرى بهِ …. ذئبٌ فلا تزدِ المواجعَ هَمّــــا
أنَفِرُّ من موتٍ لنُقتَلَ عندكم ؟ …. ما جاءكم حُرٌّ لذاكَ و أَمَّـــــا
و لم ينتبه نزار إلّا لصوتِ الموظّف التركيّ و هو يُعيدُ له جوازَه قائلاً له : جوازُكَ مزوّر
هنا أخذ نزارُ نفَساً عميقاً و صاح بأعلى صوته مردّداً هذه الأبيات :
لك في النّفوسِ محبّةٌ و أواصِـرُ … فعلامَ تُغلَقُ في الوجوهِ معابرُ ؟
و علامَ يهربُ خائفٌ بثيـابهِ … و على الحدودِ رصاصُ جندكَ ساهرُ ؟
فـإلى متى رفَحٌ يغَلِّقُ بـــــــابَهُ … و إلى متى بــــابُ الهوا يتآمَرُ ؟
يا أردوغانَ الخيرِ خلفَ ظهورنـا … بلدٌ يمــوتُ و محنةٌ و مجــــــازرُ
كم رُدَّ عن بــابِ السلامةِ ميّتٌ … و رجاكَ طفلٌ لاجئٌ و مهــــاجرُ
افتحْ لنا مُتَنَفَّساً لجراحنــــــــا … و قلوبنـــــا فالسّجنُ موتٌ آخَــرُ
يــــــــا طيّباً و الكلُّ يعرف طيبَهُ … أجبِ النّداءَ فبحــرُ طيبكَ زاخِــرُ
……
كتبها : أنس الدغيم

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *