الرئيسية / أدبيات / قراءةٌ في مسار الضّوء … مع رسول الله في شهر الربيع

قراءةٌ في مسار الضّوء … مع رسول الله في شهر الربيع

 

و أيُّ ضوء؟!200807051519
ضوءٌ أوّلهُ حراء ، و أوسطُه قباء ، و آخره ” بل الرفيق الأعلى ” ، و قلوبُ ملايينَ و ملايين تنبضُ بالحبِّ و تعيش بالذّكرى و تستمرُّ على النّهج .
إنّها سيرةُ القلبِ النّورانيّ ، و هو يواجه ليلَ العالم بنور ” لا إله إلا الله ” ، و جهلَه بالقرآن ، و مادّته الطاغية بالرّوح الهادية ، و تراب الدّنيا بماء الحبّ و الإسلام .
إنّه القلب الرّسول مع نور الوحي و حضور الذّكر و سموِّ الرّوح و علوّ سقف الرّؤية و ” ما أرسلناكَ إلا رحمةً للعالمين ” .
( أيّ رجلٍ شعبيٍّ على الأرض كمحمّد صلّى الله عليهِ و سلّم ؟، فيه للأمّةِ كلّها غرؤيزةُ الأب ، و فيه على كلِّ أحواله اليقينُ الذي لا يتحوّل ، و فيهِ الطّبيعةُ التامّةُ التي يكون بها الحقيقيُّ هو الحقيقيّ ) .
في قراءة سيرة الرسول الكريم صلى الله عليه و سلّم قوةٌ للنّفس الطّهور ، و غنىً للرّوح المسلمة ، و وثبةٌ فوق جدارِ الخوف ، و ثورةٌ على مضامين الجاهليّة ، و انضواءٌ تحت راية الحقيقة الشّاملة ، و انتماءٌ إلى نسبٍ أعلى يصلُكَ بالسماوات العلى .

فهو صلى الله عليه و سلم الشّمس الدوّارة في فلك القلوب ، و هو ماء الحياة الذي يسقي غرثى الضمائر ، و متى كنت قريباً من مجاله الطّاهر و في محيط دائرة النّبوّة الكاملة ، فأنت مكانٌ لتجلّيات الجمال و مهبطٌ لومضات الكمال .

نقبسُ النّورَ من سناكَ و نرقى
و على حبّنـــا نموت و نحيـــــا
نقتلُ الأنفــسَ الكريمــةَ جهراً
و تسيلُ القوبُ منّــــا بحــــاراً
هكذا نحن حينمـــا نحنُ نهوى
في فضاءِ الشّهودِ أرواحَ زنبقْ
و على الحبِّ نُسترقُّ و نُعتقْ
و تُصـــــانُ الدّماءُ منّا و تُزهقْ
زاخراتٍ علــــى الهدى تتدفّقْ
هكذا نحنُ يـــــا محمّدُ نعشقْ

إنه رسول الله : الأسوة الحسنة لمن كان يريد الله و اليوم الآخر ، و الذي ما أمر بشيءٍ و قال العقل ليته ما أمر ، و ما نهى عن شيءٍ و قال العقل ليته ما نهى ، و هو النّبيّ الإنسان الذي الذي ألبس الحياة ثوبها القشيب بعدما خلق ثوبها ، و كسا الوجود بكسوة الخير و الإحسان بعد فترة من الزمن و ضلالةٍ من النّاس .

(لقد اكتستْ صحراءُ العرب بفضل هذا النبيّ الأميّ حلّةً أنيقةً ، و أنبتتْ زهرةً يانعةً ، إنّ عاطفةَ الحريّةِ نشأتْ في ظلّ هذا النبيّ ، و هكذا كان يوم هذا العالم المعاصر مديناً لأمسه )
و هو الذي حرّك في الصحراء روحاً جديدةً شربتْ من ماء بدرِ ، و أكلت من رطب المدينة ، و طافت حول البيت العتيق ، فكانت القائد مرةً و الفقيه مرّةً و السّفير حيناً و الحارس في سبيلِ الله حيناً و التّاجر الصّدوقَ حيناً أخر، و قارئ القرآن في كلّ حين .

أجل ، إنّه الغيثُ الهتون الذي سقى موات النفوس ، و المزن الصّافي الذي غسل عن صفحات القلوب غبار الجاهليّة الأولى .
( لقد وضع قلباً نابضاً خافقاً في جسد الإنسان البارد ، و أزاح السّتارَ عن طلعتهِ الجميلةِ الوضيئة .
هزم كلّ طاغوت ، و حطّمَ كلّ صنم ، و أورق به كلُّ غصنٍ يابس ٍ و أزهر و أثمر .
إنّهُ روح معركةِ بدرٍ و حنين ، إنّه مربّي الصّدّيق و الفاروق و الحسين ) .
فلا تقع عينك بعد ذلك إلا على يدٍ تأخذ على يد ، أو آسٍ يمسحُ على رأس يتيم ، أو غنيٍّ يمسح دموع فقير ، أو متصدّقٍ لا تعلم شمالهُ ما أنفقت يمينُهُ ، أو غازٍ في سبيل الله ، أو ذاكرٍ ربّهُ آناء الليل و أطرافَ النّهار ، أو قائمٍ ليله يدعو ربَّهُ خوفاً و طمعاً .

أرواحٌ علّمها القرآنُ و هذّبها ماءُ الوضوء ، ونظمها الذّكرُ ، و جمّلتها الصلاة ، فلا فجور و لا فسوق و لكنْ إسلامٌ و إيمان .
و لا خمر و لا ميسر ، و لكنْ ( و الصّومُ جُنّة ) ، و لا لحم خنزيرٍ و لكنْ ( كلوا من طيّباتِ ما رزقناكم ) ، و ربا الجاهليّة موضوعٌ و أولهُ ربا العبّاس بن عبدالمطلب ،و إنّما هي صدقاتٌ تربو بفضل الله .
و لا تفاوت بين الأسماء مادامت التقوى هي محلّ النّظر .
و لا فضل لقريبٍ على بعيد ، و لكن ( و الله لو سرقت فاطمةُ بنت محمدٍ لقطعتُ يدها ) .
و ( من غشّنا فليس منّا ) ، وإنّما هي الأخلاق الفاضلةُ التي تحكمُ ، و الوسائلُ الرّبّانيّةُ التي تنظّمُ .
شارعها رحمنٌ رحيم ، و مشكاتها قرآنٌ كريم ، و مبلّغها رسولٌ كريم على خلقٍ عظيم .
أيها السّادة : ما كان رسول الله مجرّد مصلحٍ اجتماعي ينتهي ذكره بموته ، و لا صاحب حزبٍ تطوى صفحة أعماله عند أول سكرةٍ من سكراته ، و لا واضع نظريات يخطئ بعضها و يصيبُ البعض ، و لا زعيم قبيلة لا يتجاوز تفكيرهُ حدودَ عشيرتة ، و لا قائد ثورةٍ ينتهي أفقه عند سلاحٍ و دم .
و لكنّه رسول الله و خاتم النبيّين و جامع الأخلاق ، و حامل عطر الرّسالة لتشتمّها نفوسٌ أزكمتها دعوى الجاهليّة ، و هو معلّم الناس الخير فحيثما ذكر محمّدٌ ذكر الخير كلّه :                                                                                                                       

قد كان هذا الكونُ قبلَ وجودنـــــا
و الوردُ في الأكمامِ مجهولُ الشّذا
بلْ كانت الأيـــــامُ قبلَ وجودِنـــــا
لمّــــــــــا أطلّ محمدٌ زكتِ الرّبى
و أذاعتِ الفردوسُ مكنونَ الشّذا
روضاً و أزهاراً بغيرِ شميمِ
لا يُرتجى وردٌ بغيرِ نسيمِ
ليلاً لظالمها و للمظلومِ
و اخضرّ في البستانِ كلُّ هشيمِ
فإذا الورى في نضرةٍ و نعيمِ

و لازلنا نستعجلُ الخطو حتّى يقعَ الدُّنوّ ، و نمعنُ في السّير حتّى يتحقّقَ القربُ ، و إنّ استشرافَ السّماءِ قوّةٌ للبصر ، و التّطامنَ إلى الأرضِ ضعفٌ في الأسلوب ، و لكلّ ذلك فقد مشينا وراء النّبيّ المحمّد ، نستفتحُ مغاليقَ القلوب باسم الله ، و نستطرُ سحائبَ الرّحمات ، و نهتدي بهديه في ظلماتِ البرِّ و البحر .
( إنّه لا يتمُّ الاتصالُ بمحمّدٍ عليه الصّلاةُ و السّلامُ ، إلا بالانقطاع عن أبي لهب ، و لا يصحُّ الإيمانُ بالله إلا بالكفر بالطّاغوت .
إنّ العالم العربيّ أيّها السّادة : لا يتكوّنُ بالثّغورِ و الحدودِ فقط ، و إنّما يقومُ على أساسِ هذا الدّين ، وعلى الصّلةِ بمحمّدٍ عليهِ الصّلاةُ و السّلام ) .
……

كتبها : أنس الدغيم

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *