الرئيسية / أفكارنا / في مجتمعٍ جاهليٍّ وحشيٍّ بامتياز

في مجتمعٍ جاهليٍّ وحشيٍّ بامتياز

لقد بُعثَ الإسلام في مجتمع جاهليّ وحشيٍّ بامتياز ..
يحترمُ المبادئ التي تتصل بالعرض و الشرف، لكنّه في النواحي الأخرى قليل الالتزام بالمبادئ الفطريّة ..
و لعل معلّقة “عمرو بن كلثوم” التي يحكي فيها مآثر الجاهلية ( الظلم و القتل ) توضّحُ كيف كان يفكّر القوم ؟!
و لمّا ظهر الإسلام و زحفَ في نفوس أفراد المجتمع و قلوبهم و أذهانهم ببطء، انسحبت الجاهلية من نفوسهم ببطءٍ كذلك ..
و لما دخل الصحابة في الإسلام، لم تدخل نفوسُهم إليه جملة كاملة، و إنّما كان على مراحل، و هو ذاتُ السبب الذي حدا بالشريعة لأن تتنزل ببطء و تدرّج و هدوء في غالبية الأحكام ..
و بطبيعة الحال ..
فإن الصحابة كانوا على مستويات مختلفة من التحرر من قيود و أفكار الجاهلية ..
فهذا هو أبو ذرّ في المدينة .. و بعد أكثر من 15 سنة من البعثة ..
يشتم عماراً بمنطلق جاهليّ، قائلاً: ( يا ابن السوداء )، فيقول له الرسول: (إنك امرؤٌ فيك جاهلية).
و هذا سعد بن عبادة، يرفضُ مبايعة أبي بكر خليفةً شهوراً عدة، لأنه يريدها للأنصار أو لنفسه، فتقولُ عنه أم المؤمنين: (إنه امرؤٌ احتملته الجاهلية).
و مثله عليّ بن أبي طالب، في رفضه للمبايعة في السنة الأولى كاملةً .. لأنّه كان يرى نفسه أحقّ بالخلافة من أبي بكر ..
و هذا مِسطح بن أثاثة، المهاجرو المجاهد، يخوض في حديث الإفك مع الخائضين، و شاعرُ الرسولِ حسان بن ثابت كذلك، رضي الله عنهم أجمعين.
**
الآيات التي تزكّي الصحابة، تطمئنُ بأن الله سيغفر لهم هفواتهم، بسبب ما قدموه من أعمال استثنائية صالحة، و بذل و سبقٍ في الإسلام و نشره، و ستغطي حسناتهم الكبيرة على طفيفِ أخطائهم و هفواتهم، لكنّها لا يُفهمُ منها بأي وجه من الوجوه، بأنهم معصومون عن الخطأ و الزلة و المعصية و الهفوة.!
و هذا ما عبر عنه ابن تيمية بقوله : تشيرُ هذه الآيات إلى كمال النهاية، لا كمال البداية).
**
رفعُ الصحابة فوق مستوى البشرية، و إخفاء معاناتهم النفسية، و صراعهم مع نفوسهم الوسواسة، في سبيل الارتفاع إلى مستوى المبدأ، و تحصيلِ الكمال ..
على الرغم من كونه يوقد الهمّة، و يوقظ العزيمة، و يحثّ على المثابرة، إلا أنّه يؤسسُ للخطأ و للانفصام ..
حيثُ سيقنط الخلف من الاقتداء بالسلف، بصورته الملائكية في أذهانهم ..
و مع الوقت ..
ستتغيرُ لديهم مفاهيم الاستقامة، و ستتحول إلى الاعتقاد بأنها عدم المعصية أو الزلة مُطلقاً .!
و سيشعرون بأن أنفسهم سيئة و فاسدة جداً .. و بعيدةُ جداً عن
تحصيل الاستقامة، نظراً لما يرونه منها.!
مع الوقت ..
هذا الأمر .. سيفقدُهم القوة النفسية و الذهنية، و رباطة
الجأش.. و تماسُك الشخصية ..
وسيغدون خاملين ..
وغير واثقين ..
و بالتالي إلى إحداث شللٍ في العمل و التطوير و التحسين .
…..
بقلم : محمد ديرانيّة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *