الرئيسية / سياسة / شرق حلب بين انتصار الأسد وانكسار الوطن

شرق حلب بين انتصار الأسد وانكسار الوطن


وبينما تتوجه أنظار العالم للمشهد الدامي شرق حلب, حيث أنجز للتو اتفاق يقضي بإفراغ ما تبقى من شرق حلب من أهلها بعد أن سويت بالأرض خلال ما يقرب من خمس سنوات من القصف, وبينما تقدم المراثي وتذرف الدموع في مشهد تراجيدي يشبه التغريبة الفلسطينية حيث يطرد أصحاب الأرض ولا يدرون متى يعودون ليستوطن المحتل, في هذا الوقت بالذات كان بشار الأسد يبارك للشعب هذا النصر العظيم ويعتبره لحظة تاريخية فاصلة وما بعدها ليس كما قبلها.
وهنا يبرز السؤال الأهم:
عن أي شعب يتحدث, وأين الوطن في هذا النصر المزعوم ؟؟
لن أتحدث عن الجانب العسكري وتقييم حجم ما جرى وتأثيره على واقع الثورة في قادم الأيام, ولا على عن الوضع الإنساني المتفاقم يوماً بعد يوم, لكن أتحدث عن فرحة النظام ممثلاً برأسه ومؤيديه واعتبار ذلك نصراً تاريخياً في طريق إعلان النصر النهائي, ولتقييم ذلك لا بد من تحديد معنى النصر أولاً
“فالنصر هو ما يحقق المصلحة للمنتصرين في معركة عادلة سواء كان عسكرياً أو سياسياً وعليه فمن المستفيد من هذا النصر المزعوم” ؟!!
وأي معركة عادلة تلك التي يقودها نظام ضد شعب بأكمله وأي مصلحة تحققت أو ستتحقق للوطن وللشعب بعد هذه المعركة الخاسرة من حيث المآل أياً كانت نتائجها العسكرية.
وقد أضرت هذه الحرب بجميع السوريين حيث أصبح 85% من الشعب بحاجة للمساعدة ناهيك عن 12 مليوناً نزحوا داخلياً و 4 مليون غادروا البلد والأرقام في كل الاتجاهات مخيفة ومرعبة ولم يستفد من هذه الحرب إلا بشار الأسد وحاشيته الضيقة وعليه فهو المستفيد الوحيد من السورين من نصر حلب لطالما أن هذا النصر يصب في تكريس حكمه الذي فتح معركته على الشعب في سبيله وهذا أحد الأدلة الكثيرة التي تؤكد أنه ليس رئيس دولة إنما هو قائد عصابة وعليه فالنصر ليس نصر وطن إنما هو نصر عصابة يقودها الأسد ولا سيما إذا ربطناها بالحاصل على الأرض والذي يقول إنه أصبح منفذاً لعصابة أكبر وأداة من أدواتها وهذا يؤكد على أن هناك من هو أحق بالفرح منه ألا وهو النظام الإيراني نظام ولاية الفقيه ومن سار في فلكه وهم ما فتئوا يتحدثون عبر السياسيين ورجال الدين عن ثاراتهم ومشروعهم الطائفي الصفوي الذي على ما يبدو يتحقق شيئاً فشيئاً ولكن على دماء السورين وأشلائهم وبمباركة من كان يوماً رئيساً لهذا البلد المنهك!!!
بينما في الحقيقة نصر حلب لن يكون إلا إحدى أمر اللحظات في تاريخ السورين وسيكون بوابة جحيم لأحقاد وحروب لا تكاد تنتهي إلا باقتلاع القتلة والمستبدين وتحقيق العدل الشامل لكل المظلومين!!
وفي الحديث عن الوطن في سياق معركة الأسد فإنه يجدر الربط مع نقطة البداية حيث ستتوضح الصورة بشكلها الكامل ولئن كان المقال لا يسمح بالتفصيل في هذه النقطة وما بات يعرف لدى السوريين أنه من البديهيات يجدر التذكير بأن النظام لم يعترف بالثورة واعتبرها مؤامرة ووجه اتهامه للشرق والغرب وسلط كلابه المسعورة على المتظاهرين وروج لشتى التهم لهم بدءاً بالمندسين والمخربين وصولاً إلى الإرهابيين ليبرر قتلهم والتنصل من المطالب العادلة التي اعترفت بعدالتها كل المنظومات الدولية والشرائع السماوية.
لكن اللافت في الأمر أن الحرب التي شنت على الشعب السوري إنما كانت تحت شعارات مثل:
(خوفاً على سوريا من التقسيم وحماية لأمنها ومقدراتها وحفاظاً على عزتها واستقلالها وحماية لها من الخراب) وغير ذلك من الشعارات التي سرعان ما تلاشت أمام الشعار الشهير الذي لن ينساه السوريون:
(الأسد أو لا أحد … الأسد أو نحرق البلد)
وليتبين وعلى مدار ست سنوات من الثورة أن الوطن ليس إلا رقماً في معادلة الصراع لا يختلف عن أي سوري تقتله قذيفة طائشة أو طائرة مجنونة وربما تحوله إلى أشلاء ويصعب التعرف عليه بدليل أنه فرط بالأمن والسيادة وبأكثر من نصف الشعب وجعل الوطن أشبه بالركام وساهم في تكريس الفرقة والانقسام وأما الاقتصاد فسوريا أصبحت دولة فاشلة بامتياز والتوقعات مرعبة في هذا الاتجاه وقد أدخل البلد في نفق لا يعلم إلا الله متى وكيف وثمن الخروج منه!!
ولئن كان الأسد ساهم إلى حد كبير في صناعة التطرف إن بالاختراق وإن بالإرهاب الذي مارسه على الشعب, ولئن انحرفت الثورة في بعض من مفاصلها عن ثورة شعب يريد إسقاط الاستبداد ممثلاً برموزه وبناء وطن حر لجميع أبنائه يسوده العدل والكرامة والحقوق لئن انحرفت عن بعض تلك المطالب لسبب أو آخر لكن ذلك لن ينفي عنها بحال أنها بدأت ثورة تنادي بالخلاص لكل السورين, وتوفرت فيها كل مقومات الثورة انطلاقاً من المطالب المحقة مروراً بتساميها عن المناطقية والطائفية وصولاً إلى الانتشار الواسع والثبات على تلك المطالب, ولئن كانت الثورة انحرفت في مرحلة ما عن بعض مساراتها فقد كان ولا زال يجمع جميع الثائرين وكثير من الصامتين في مناطق النظام على أن أساس المشكلة في سوريا بشار الأسد ونظامه القاتل والباقي تفاصيل وهو الذي ظل ثابتاً على نهجه الحقيقي وهو القضاء على كل من يعارضه ولو هدم الوطن حجراً حجراً ولا فرق في الحقيقة عنده بين من يهتف بحياته وبين من يلعنه ويقاتله ولو استعان بالإنس والجن في سبيل ذلك!!
مـــــا بــــعد حـــلب:
ولما شعر أنصار الثورة بالخطر الداهم وعلموا أن انحراف الثورة في عن مسارها لن يساهم إلا في تكريس الحكم الذي ثاروا عليه ودفعوا أثماناً باهظة في سبيل ذلك ثارت ثائرتهم وبدأت المظاهرات الجماهيرية تعم مدن وبلدات إدلب مذكرة بروح الثورة الأولى ومطالبة بالتوحد ووضع حد للمشاريع الجانبية التي ساهمت ولا زالت بتكريس الفرقة والاقتتال وكرست عزلة الثورة عن محيطها بدءاً بالسورين المناصرين للثورة فضلاً عن المعارضين لها وصولاً إلى الدول والداعمين, وبينما يتظاهر الشعب في القسم المحرر لتصحيح المسار لتكون المعركة معركة تحرر وطني لكل أبناء الوطن يصر المؤيدون على تأليه الأسد والبقاء في حظيرته والسير خلفه في طريق مجهول ولو كان الوطن أول ضحاياه وهم بكل تأكيد يؤيدونه في معركته على حسابهم وتكريساً لاستعبادهم علموا أو جهلوا, وهذا يعكس الفارق الشاسع بين المؤيدين والمعارضين!!
بين من يدفع بحياته ليتخلص من العبودية وبين من يدافع عن مستعبديه ويضحي بحياته لأجلهم!!
ولن نتحدث عن الجانب الأخلاقي للمحتفلين بسحق إخوانهم وجيرانهم من السورين فهم كما وصفهم الفيلسوف السوري أحمد برقاوي:
“احتفال بعض السوريين والعرب باحتلال البلدات والمدن السورية من قبل الميليشيات الطائفية الإيرانية الشيعية كمن يحتفل باغتصاب أمه”
وكما كتبت في إحدى قصائدي:
صـــار ســقف البيوت فيك قبــــــوراً وعــــلى الجــــــــانبين منك عنـــــــاء
على أنه من الظلم القول إن كل من يعيش في مناطق النظام هم مؤيدون له بل على العكس تماماً فمنهم المحايد الذي لا ناقة له ولا جمل ومنهم المعارض لكل ذلك لكن لا يملك أي وسيلة لفعل شيء في ظل القبضة الفولاذية للمليشيات على الناس في مناطق النظام!!
ولئن كان في جانب الثورة معارك جانبية لا ناقة للوطن فيها ولا جمل وهم على طريق التصحيح, فإنه لا بد من الاعتراف بأن معركة الأسد كلها هي معركة حكم لا ناقة للوطن فيها ولا جمل والمتضرر من كل ذلك هم أبناء الوطن على اختلاف توجهاتهم والذين يفترض أن يعيشوا في وطن واحد أياً كانت النتائج وهم المتضرر الأوحد وعليهم تقع المسؤولية التاريخية في تحديد وجهة المعركة, وإن لم يقولوا للأسد اليوم كفى فسيندمون أضعاف أضعاف ما سيندم المعارضون فلا شيء يرتجى من حكم تعتبر فيه رقماً من الأرقام وهو مستعد أن يستقوي عليك بكل شذاذ الأرض من أجل يقتلك ويهدم وطنك ويسلبك إياه إذا فكرت يوماً في معارضته أو استبداله, ولا أدري هل يخطر في بال مؤيدي الأسد والصامتين عليه مثل ذلك أم هم كمن يدس رأسه كالنعام في التراب!!!
وأخــــيراً:
لئن وجد بعد هذا المشهد السوداوي من يقول: لماذا ثرتم؟ وهل ما طالبتم به يستحق كل هذا الثمن وقد خربتم الوطن؟!
لكن سيبقى هناك الأسئلة الأهم ومن حق كل سوري أن يطرحها في مقدمتهم مؤيدوا النظام والصامتون عنه والذين دفعوا أثماناً كبيرة في سبيل تأييده أو السكوت عليه:
إذا كنتَ من خلال حربك مع الشعب لم تحافظ على أمن ولا أرواح ولا استقلال قرار الوطن ولا وحدة الأرض والشعب, ولئن كان حربك بحجة دفع الوصاية عن سوريا لكنك أدخلتها حقاً في وصاية أشبه باحتلال, ولئن كانت حربك ستجعل من سوريا مسرحاً لحرب شبه دولية ولا يعلم إلا الله متى تنتهي وماذا سنخسر فيها وكم نحتاج لنستعيد عافيتنا, لئن كانت حربك ستجعلنا ندفع كل هذا الثمن من أجل أن نهتف بحياتك على وطن من ركام فبئست هذه الحرب ولئن انتصرت كرئيس عصابة فإننا جميعاً ضحايا لهذه الحرب, والوطن هو أول الخاسرين.
عند ذلك نفهم أن يقول مندوب إسرائيل التي ادعى النظام السوري مقاومتها لمدة 40 سنة أن يقول لمندوب العصابة في مجلس الأمن بعد أن عراه” اللي استحوا ماتوا” فما قول الصامتين والمؤيدين؟!!!
……
بقلم : خالد الفجر

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *